دآإنــٍُــ،ٍُـآإٍُ
07/03/2007, 06:47 PM
النظرات إلى العالم كالأنهار – قد تكون مغذِّية وقد تكون سامَّة. النظرة إلى العالم مغذِّية عندما تكون مبادئها العامة ذات طبيعة، وذات خصوبة، من الغنى بحيث يمكننا حتى بعد قرون من وجودها أن نستمد منها الإلزامات لأعمالنا، والمبادئ لفهم العالم. بذلك فإن النظرات الراسخة إلى العالم لا تني تعيننا على تفسير العالم وعلى الحياة فيه حياة رضيَّة.
*** *** ***
النظرات النقلية إلى العالم دينية بطبيعتها، بما أنها تفترض أن إلهاً غير مرئي هو في أصل الكون وغالباً ما يشرف على سير أموره. والنظرات النقلية إلى العالم معبَّر عنها عادة في كتب مقدسة من نحو الأوبنشاد أو الكتاب المقدس أو القرآن الكريم. ولغة مثل هذه الكتب المقدسة غير دقيقة – وبخاصة إذا قيست إلى معايير العلوم الصارمة. لكن في عدم الدقة هذا قوة أيضاً، من حيث إنه يجيز تأويلات متنوعة للكلمة المقدسة. وبالفعل، فإن النظرات الخصبة إلى العالم (من نحو النظرة الفيدية إلى العالم، كما هي مؤسَّسة على الفيدا وعلى الأوبنشاد) مدهشة في مرونتها – إذ هي يمكن أن تتخذ تنوعاً من الأشكال والتأويلات بدون أن تفقد هويتها. وهذا ما يمكِّنها من البقاء قروناً وألفيات بدون أن تتناقص قدرتها على الإلهام والتقوُّت التي هي القدرة على التغذية.
إن القدرة على الإلهام والتقوُّت مقدرة حاذقة جداً إذ إننا لا نعرف كيفية عملها على وجه الدقة – كل ما نعرف هو أنها تعمل. الكلمات والأفكار، وبعضها مولود من رؤى مضت عليها دهور، تنطوي على طاقة هي من الكثافة بحيث إننا مازلنا نجدها مغذِّية. قد يكون إسرافاً في التبسيط أن نقول عن هذه الحقائق التي اكتشفناها والتي تقوتنا إنها هي الحقائق الأبدية، هي القوانين الكونية، هي البرهمن القديم، لأنها تمثِّل حقائق أبدية. فالحقيقة أمر حاذق وعسير. وعندما نمعن النظر فيها، فإننا لا ندري ما هي. فكل أنواع الصروح، التي زُعِم أنها مشيدة على حقائق أبدية، قد انهارت في التاريخ البشري. زد على ذلك أن تنوع البنى الكوسمولوجية والأخلاقية التي نجت تاريخياً متنوعة جداً من حيث طبيعتها، كما أنها لاتمتثل لتصور أو معيار الحقيقة نفسه. والأمثلة المقاومة لبلى الزمان هي الطاوية، والبوذية، والهندوكية، والمنقول اليهودي-المسيحي-الإسلامي – أربع نظرات مختلفة إلى العالم، لعلها ذات أربعة تصورات مختلفة عن الحقيقة. فما الذي يمكِّن هذه النظرات إلى العالم أن تبقى وتزدهر؟ قطعاً ليس حجم الكلمات التي عبرت عنها. دونك، على سبيل المثال، الطاوية التي عُبِّر عنها أصلاً في 500 سطر أغلبها مبهم إلى حد الإغاظة. ومع ذلك، فإن الطاوية، إذ هي تعود عودة مدهشة في زماننا، قد عبّرت قطعاً عن شيء من الطبيعة الجوهرية للشرط البشري. وكلتاهما لا تنفصل الواحدة منهما عن الأخرى: فإن لوحة مقوِّتة للكوسموس تعطينا عادة صورة منوِّرة عما هو عليه الشخص البشري في هذا الكوسموس وعن الدور الذي يلعبه/تلعبه في الخطة الإجمالية.
بذلك نرى أن إبهام الصياغات أو دقتها كليهما ليسا عاملين حاسمين. ففي أمور الكوسمولوجيا والمصير البشري القصوى، ليس الإبهام سيئاً بالضرورة والدقة ليست حسنة بالضرورة.
علينا الآن أن نلجأ إلى النظرة العلمية إلى العالم التي انبثقت من تصور القرن السابع عشر للكون بوصفه آلية أشبه بالساعة ومن تصور المعرفة بوصفها نفوذاً. لقد أثنت هذه النظرة إلى العالم على نفسها لدقّتها وغالباً ما نبذت النظرات الأخرى (وبخاصة الكوسمولوجيات النقلية)، لمجرد أنها كانت مبهمة. ولقد ادّعت النظرة العلمية إلى العالم بأنها تحتكر امتلاك الحقيقة. وكل ما أو مَن كان يخالف حقائقها كان يحكم عليه بالتقادم وبالنبوّ، أو بأسوأ من ذلك – بالظلامية.
إن سقوط النظرة العلمية إلى العالم هو جزئياً على الأقل نتيجة سعيها إلى الدقة وهاجسها أن تضع كل شيء في علب متقنة حصرية. ومع انقضاء الوقت، تم تخطي العلب الجامدة في قطاعات المعرفة كافّة والمخطط الآلتي mechanistic برمّته قد أبطلته عن آخره عدة مرات الامتدادات الحديثة للفيزياء. وهذا نذير شؤم على نظرة إلى العالم يتم تصورها بعبارات جامدة ومعيَّنة بحدة. والنظرة العلمية إلى العالم، بسبب من سعيها إلى الدقة، وبسبب من اعتناقها للاستعارة الآلتية، شديدة الصلادة حتى قابلية القصف (بينما النظرة النقلية إلى العالم مرنة). وعندما بدأ تخطي حدود النظرة الآلتية المعيَّنة بحدة (واتضح أن الحقائق النيوتنية ليست حقائق أبدية بل التقريبات الأولى في فهمنا للبنيان العملاق للكوسموس الفيزيائي) بدأ البنيان الصلد برمّته بالتناثر. وهو مازال يتناثر!
عند أي نقطة يصير بنيان كهذا غير مغذٍّ ويتحول بالفعل إلى نهر سام؟ عند تلك النقطة التي نقر عندها أن البنيان لم يعد يصلح، أنه لا يحتكر الحقيقة، أن طبيعته الصلدة تجعله يتناثر. ومع ذلك فإننا نظل نصرّ على حشر تنوع الحياة وتنوع المعرفة قسراً فيها. إن ستراتيجية كهذه مضادة للإنتاج.
هناك بعض الأسباب الأخرى التي من جرائها لم تعد النظرة العلمية إلى العالم نهراً مغذِّياً. فمن النظرة الفيدية إلى العالم (القائمة على الأوبنشاد) استمد المرء مبدئي أهمسا ahimsa ["كفّ الأذية" – م] ودهرما dharma ["الواجب" – م]. ومن النظرة البوذية إلى العالم استمد المرء مبدأ الرحمة الشاملة. هناك مبادئ أخلاقية هامة جداً أفادتنا إفادة جمّة خلال الألفيات الماضية. إننا، بما نحن مجتمع بشري، نحتاج لمثل هذه المبادئ.
فما المبادئ الأخلاقية التي نستمدها من النظرة العلمية إلى العالم؟ طيب، إذا كانت المعرفة نفوذاً، وإذا كان الكون آلية يمكن التلاعب بها، فإن المهم هو – النفوذ، التلاعب، السيطرة، والمردودية. لقد صارت هذه بالفعل هي القيم السائدة للمجتمع العلمي-التكنولوجي. فإذا لم تكن هناك آلهة أسمى من المردودية والعقلانية، فإننا كلما حزنا على مردودية ونفوذ أكثر كان هذا أحسن لنا. وهذا يقود إلى تنافسية عديمة الرحمة (يصير قيمة اجتماعية أخرى)، إلى الصعود على أكتاف الآخرين، إلى الأنانية، وإلى المادية الغليظة. وهذه ليست بالدقة المبادئ الأخلاقية إذا أدركنا أننا نحيا على السفينة الفضائية أرض المتواصلة والمرتبطة بعدد هائل من حلقات التكافل.
علاوة على ذلك فمن العقلاني، والمسوَّغ بالتالي، في تمسكنا بالنظرة العلمية إلى العالم (وبالقيم التي تنطوي عليها)، أن نستغل الطبيعة (إذ إننا نستعرض حينئذٍ سلطاننا على الطبيعة)، أن نلوث الأنهار، أن نراكِم النفوذ والمال، حتى وإنْ كان هذا يؤذي الأرض والمَواطن habitats الإيكولوجية. جليٌّ إنه إذا كانت النظرة إلى العالم تسمح مثل هذا المفهوم عن العقلانية الذي يجوز لك باسمه أن تسلب، تخرب، وتدمِّر (الطبيعة بصورة خاصة)، فإن مثل هذه النظرة إلى العالم يجب أن تكون قاصرة في الأساس. بذلك فإنها ليست نهراً يغذي. إنها نهر يسمِّم.
لقد آن الأوان الآن، ونحن نخطو أولى خطواتنا في القرن الحادي والعشرين وننشد مستقبلاً أبعد، أن ندرك اليوم إدراكاً واضحاً إلى أين نريد أن نذهب وإلى أين يجب أن نذهب. نحن بحاجة إلى إيجاد نظرات إلى العالم سوف تقيت وتغذي الأسرة البشرية بأسرها إلى جانب المخلوقات الأخرى للكوكب وتكون أيضاً مفيدة لتكامل الأرض، معزِّزة لغناها وجمالها. مثل هذه النظرة إلى العالم يجب أن تعترف بطبيعتنا الروحية وسعينا الصميمي للمعنى. يجب أيضاً أن تعترف بفكرة العدالة للجميع ويجب أن تتضمن مبدأ كفّ الأذية (أهمسا) بوصفه كيفية أساسية من كيفيات تفاعلنا مع كائنات هذا العالم كلِّها. وهي، ثالثاً، يجب أن تعترف بالامتدادات والمنجزات الحديثة للعلم.
في تجاوز النظرة الآلتية إلى العالم (نظرة الميكانيكا النيوتنية إلى العالم) لسنا نريد أن نكون لوديين* معادين للعلم، بل نريد العلم الصحيح الذي يفسر كيف تتراكب كل الأشياء في هذا الكون، كيف أننا جزء من هذا النسيج الكوني المذهل، وكيف يمكن لهذا الكون، على الرغم من تنوّعه الخارق، أن يكون ذا معنى ويكون متسقاً. إن نوعية النظرة إلى العالم التي تفتش عنها، أميل إلى تسميتها النظرة الإيكولوجية إلى العالم، باعتبار التسمية تشدد بقوة على ولائنا للطبيعة وعلى مسؤوليتنا نحوها.
تشكل القيم الإيكولوجية، بما هي جزء لا يتجزأ من هذه النظرة الجديدة إلى العالم، أساس السلام – الشرط المسبق للممارسات الإيكولوجية السليمة كلها ولكثير جداً من المساعي في تفتيشنا عن حياة مفعمة بالمعنى.
ما الفرق بين إرثنا البيولوجي وإرثنا الإيكولوجي؟ الفرق حاذق لكنه هام. فالإرث البيولوجي يعزِّز الأوجه المادية للحياة – لبنات بناء الحياة الضرورية لبقاء الحياة. والبيولوجيا تعامِل أشكال الحياة كآلات للطاقة. أما الإرث الإيكولوجي، فيعزِّز من جهته شروط حسن حال الحياة، ويحلل الحِواء matrix الذي تقوم عليه، والبنى الأعمق التي تمكِّن الحياة من الترعرع والتفتح. قوانين البيولوجيا معنيّة بقابلية أفراد معيَّنين أو أنواع معينة للبقاء. أما قوانين الإيكولوجيا فمعنيّة بنوعية الحياة وبالمحافظة على التنوع الصحي من خلال مختلف أشكال الحياة؛ معنيّة بـالشروط المثلى optimal conditions التي تسمح لمختلف أشكال الحياة أن تحيا بعضها مع بعض. قوانين البيولوجيا كمية ويعبَّر عنها بلغة الكيمياء (أو الفيزياء). أما قوانين علم الإيكولوجيا فنوعية ويعبَّر عنها بلغة غائية – فمخطط الحياة وغايتها يجب أن يؤخذا بالحسبان أثناء دراسة الإرث الإيكولوجي. وما علينا الآن إلا أن نحاول الكشف عن بعض الطبقات الخفية للإرث الإيكولوجي.
*** *** ***
النظرات النقلية إلى العالم دينية بطبيعتها، بما أنها تفترض أن إلهاً غير مرئي هو في أصل الكون وغالباً ما يشرف على سير أموره. والنظرات النقلية إلى العالم معبَّر عنها عادة في كتب مقدسة من نحو الأوبنشاد أو الكتاب المقدس أو القرآن الكريم. ولغة مثل هذه الكتب المقدسة غير دقيقة – وبخاصة إذا قيست إلى معايير العلوم الصارمة. لكن في عدم الدقة هذا قوة أيضاً، من حيث إنه يجيز تأويلات متنوعة للكلمة المقدسة. وبالفعل، فإن النظرات الخصبة إلى العالم (من نحو النظرة الفيدية إلى العالم، كما هي مؤسَّسة على الفيدا وعلى الأوبنشاد) مدهشة في مرونتها – إذ هي يمكن أن تتخذ تنوعاً من الأشكال والتأويلات بدون أن تفقد هويتها. وهذا ما يمكِّنها من البقاء قروناً وألفيات بدون أن تتناقص قدرتها على الإلهام والتقوُّت التي هي القدرة على التغذية.
إن القدرة على الإلهام والتقوُّت مقدرة حاذقة جداً إذ إننا لا نعرف كيفية عملها على وجه الدقة – كل ما نعرف هو أنها تعمل. الكلمات والأفكار، وبعضها مولود من رؤى مضت عليها دهور، تنطوي على طاقة هي من الكثافة بحيث إننا مازلنا نجدها مغذِّية. قد يكون إسرافاً في التبسيط أن نقول عن هذه الحقائق التي اكتشفناها والتي تقوتنا إنها هي الحقائق الأبدية، هي القوانين الكونية، هي البرهمن القديم، لأنها تمثِّل حقائق أبدية. فالحقيقة أمر حاذق وعسير. وعندما نمعن النظر فيها، فإننا لا ندري ما هي. فكل أنواع الصروح، التي زُعِم أنها مشيدة على حقائق أبدية، قد انهارت في التاريخ البشري. زد على ذلك أن تنوع البنى الكوسمولوجية والأخلاقية التي نجت تاريخياً متنوعة جداً من حيث طبيعتها، كما أنها لاتمتثل لتصور أو معيار الحقيقة نفسه. والأمثلة المقاومة لبلى الزمان هي الطاوية، والبوذية، والهندوكية، والمنقول اليهودي-المسيحي-الإسلامي – أربع نظرات مختلفة إلى العالم، لعلها ذات أربعة تصورات مختلفة عن الحقيقة. فما الذي يمكِّن هذه النظرات إلى العالم أن تبقى وتزدهر؟ قطعاً ليس حجم الكلمات التي عبرت عنها. دونك، على سبيل المثال، الطاوية التي عُبِّر عنها أصلاً في 500 سطر أغلبها مبهم إلى حد الإغاظة. ومع ذلك، فإن الطاوية، إذ هي تعود عودة مدهشة في زماننا، قد عبّرت قطعاً عن شيء من الطبيعة الجوهرية للشرط البشري. وكلتاهما لا تنفصل الواحدة منهما عن الأخرى: فإن لوحة مقوِّتة للكوسموس تعطينا عادة صورة منوِّرة عما هو عليه الشخص البشري في هذا الكوسموس وعن الدور الذي يلعبه/تلعبه في الخطة الإجمالية.
بذلك نرى أن إبهام الصياغات أو دقتها كليهما ليسا عاملين حاسمين. ففي أمور الكوسمولوجيا والمصير البشري القصوى، ليس الإبهام سيئاً بالضرورة والدقة ليست حسنة بالضرورة.
علينا الآن أن نلجأ إلى النظرة العلمية إلى العالم التي انبثقت من تصور القرن السابع عشر للكون بوصفه آلية أشبه بالساعة ومن تصور المعرفة بوصفها نفوذاً. لقد أثنت هذه النظرة إلى العالم على نفسها لدقّتها وغالباً ما نبذت النظرات الأخرى (وبخاصة الكوسمولوجيات النقلية)، لمجرد أنها كانت مبهمة. ولقد ادّعت النظرة العلمية إلى العالم بأنها تحتكر امتلاك الحقيقة. وكل ما أو مَن كان يخالف حقائقها كان يحكم عليه بالتقادم وبالنبوّ، أو بأسوأ من ذلك – بالظلامية.
إن سقوط النظرة العلمية إلى العالم هو جزئياً على الأقل نتيجة سعيها إلى الدقة وهاجسها أن تضع كل شيء في علب متقنة حصرية. ومع انقضاء الوقت، تم تخطي العلب الجامدة في قطاعات المعرفة كافّة والمخطط الآلتي mechanistic برمّته قد أبطلته عن آخره عدة مرات الامتدادات الحديثة للفيزياء. وهذا نذير شؤم على نظرة إلى العالم يتم تصورها بعبارات جامدة ومعيَّنة بحدة. والنظرة العلمية إلى العالم، بسبب من سعيها إلى الدقة، وبسبب من اعتناقها للاستعارة الآلتية، شديدة الصلادة حتى قابلية القصف (بينما النظرة النقلية إلى العالم مرنة). وعندما بدأ تخطي حدود النظرة الآلتية المعيَّنة بحدة (واتضح أن الحقائق النيوتنية ليست حقائق أبدية بل التقريبات الأولى في فهمنا للبنيان العملاق للكوسموس الفيزيائي) بدأ البنيان الصلد برمّته بالتناثر. وهو مازال يتناثر!
عند أي نقطة يصير بنيان كهذا غير مغذٍّ ويتحول بالفعل إلى نهر سام؟ عند تلك النقطة التي نقر عندها أن البنيان لم يعد يصلح، أنه لا يحتكر الحقيقة، أن طبيعته الصلدة تجعله يتناثر. ومع ذلك فإننا نظل نصرّ على حشر تنوع الحياة وتنوع المعرفة قسراً فيها. إن ستراتيجية كهذه مضادة للإنتاج.
هناك بعض الأسباب الأخرى التي من جرائها لم تعد النظرة العلمية إلى العالم نهراً مغذِّياً. فمن النظرة الفيدية إلى العالم (القائمة على الأوبنشاد) استمد المرء مبدئي أهمسا ahimsa ["كفّ الأذية" – م] ودهرما dharma ["الواجب" – م]. ومن النظرة البوذية إلى العالم استمد المرء مبدأ الرحمة الشاملة. هناك مبادئ أخلاقية هامة جداً أفادتنا إفادة جمّة خلال الألفيات الماضية. إننا، بما نحن مجتمع بشري، نحتاج لمثل هذه المبادئ.
فما المبادئ الأخلاقية التي نستمدها من النظرة العلمية إلى العالم؟ طيب، إذا كانت المعرفة نفوذاً، وإذا كان الكون آلية يمكن التلاعب بها، فإن المهم هو – النفوذ، التلاعب، السيطرة، والمردودية. لقد صارت هذه بالفعل هي القيم السائدة للمجتمع العلمي-التكنولوجي. فإذا لم تكن هناك آلهة أسمى من المردودية والعقلانية، فإننا كلما حزنا على مردودية ونفوذ أكثر كان هذا أحسن لنا. وهذا يقود إلى تنافسية عديمة الرحمة (يصير قيمة اجتماعية أخرى)، إلى الصعود على أكتاف الآخرين، إلى الأنانية، وإلى المادية الغليظة. وهذه ليست بالدقة المبادئ الأخلاقية إذا أدركنا أننا نحيا على السفينة الفضائية أرض المتواصلة والمرتبطة بعدد هائل من حلقات التكافل.
علاوة على ذلك فمن العقلاني، والمسوَّغ بالتالي، في تمسكنا بالنظرة العلمية إلى العالم (وبالقيم التي تنطوي عليها)، أن نستغل الطبيعة (إذ إننا نستعرض حينئذٍ سلطاننا على الطبيعة)، أن نلوث الأنهار، أن نراكِم النفوذ والمال، حتى وإنْ كان هذا يؤذي الأرض والمَواطن habitats الإيكولوجية. جليٌّ إنه إذا كانت النظرة إلى العالم تسمح مثل هذا المفهوم عن العقلانية الذي يجوز لك باسمه أن تسلب، تخرب، وتدمِّر (الطبيعة بصورة خاصة)، فإن مثل هذه النظرة إلى العالم يجب أن تكون قاصرة في الأساس. بذلك فإنها ليست نهراً يغذي. إنها نهر يسمِّم.
لقد آن الأوان الآن، ونحن نخطو أولى خطواتنا في القرن الحادي والعشرين وننشد مستقبلاً أبعد، أن ندرك اليوم إدراكاً واضحاً إلى أين نريد أن نذهب وإلى أين يجب أن نذهب. نحن بحاجة إلى إيجاد نظرات إلى العالم سوف تقيت وتغذي الأسرة البشرية بأسرها إلى جانب المخلوقات الأخرى للكوكب وتكون أيضاً مفيدة لتكامل الأرض، معزِّزة لغناها وجمالها. مثل هذه النظرة إلى العالم يجب أن تعترف بطبيعتنا الروحية وسعينا الصميمي للمعنى. يجب أيضاً أن تعترف بفكرة العدالة للجميع ويجب أن تتضمن مبدأ كفّ الأذية (أهمسا) بوصفه كيفية أساسية من كيفيات تفاعلنا مع كائنات هذا العالم كلِّها. وهي، ثالثاً، يجب أن تعترف بالامتدادات والمنجزات الحديثة للعلم.
في تجاوز النظرة الآلتية إلى العالم (نظرة الميكانيكا النيوتنية إلى العالم) لسنا نريد أن نكون لوديين* معادين للعلم، بل نريد العلم الصحيح الذي يفسر كيف تتراكب كل الأشياء في هذا الكون، كيف أننا جزء من هذا النسيج الكوني المذهل، وكيف يمكن لهذا الكون، على الرغم من تنوّعه الخارق، أن يكون ذا معنى ويكون متسقاً. إن نوعية النظرة إلى العالم التي تفتش عنها، أميل إلى تسميتها النظرة الإيكولوجية إلى العالم، باعتبار التسمية تشدد بقوة على ولائنا للطبيعة وعلى مسؤوليتنا نحوها.
تشكل القيم الإيكولوجية، بما هي جزء لا يتجزأ من هذه النظرة الجديدة إلى العالم، أساس السلام – الشرط المسبق للممارسات الإيكولوجية السليمة كلها ولكثير جداً من المساعي في تفتيشنا عن حياة مفعمة بالمعنى.
ما الفرق بين إرثنا البيولوجي وإرثنا الإيكولوجي؟ الفرق حاذق لكنه هام. فالإرث البيولوجي يعزِّز الأوجه المادية للحياة – لبنات بناء الحياة الضرورية لبقاء الحياة. والبيولوجيا تعامِل أشكال الحياة كآلات للطاقة. أما الإرث الإيكولوجي، فيعزِّز من جهته شروط حسن حال الحياة، ويحلل الحِواء matrix الذي تقوم عليه، والبنى الأعمق التي تمكِّن الحياة من الترعرع والتفتح. قوانين البيولوجيا معنيّة بقابلية أفراد معيَّنين أو أنواع معينة للبقاء. أما قوانين الإيكولوجيا فمعنيّة بنوعية الحياة وبالمحافظة على التنوع الصحي من خلال مختلف أشكال الحياة؛ معنيّة بـالشروط المثلى optimal conditions التي تسمح لمختلف أشكال الحياة أن تحيا بعضها مع بعض. قوانين البيولوجيا كمية ويعبَّر عنها بلغة الكيمياء (أو الفيزياء). أما قوانين علم الإيكولوجيا فنوعية ويعبَّر عنها بلغة غائية – فمخطط الحياة وغايتها يجب أن يؤخذا بالحسبان أثناء دراسة الإرث الإيكولوجي. وما علينا الآن إلا أن نحاول الكشف عن بعض الطبقات الخفية للإرث الإيكولوجي.